محمد متولي الشعراوي
10498
تفسير الشعراوي
عبد رغماً عنك ، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه ، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار . أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر ، وتنازل عنه لمراد ربه ، فاستحق أن يكون من عباد الله { وَعِبَادُ الرحمن } [ الفرقان : 63 ] فنحن وإنْ كنا عبيداً فنحن سادة ؛ لأننا عبيد الرحمن ؛ لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الإسراء هي عبوديته لله تعالى ، حيث قال : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } [ الإسراء : 1 ] ، فالعبودية هي علة الارتقاء . فلما أخلص رسول الله العبودية لله نال هذا القُرْب الذي لم يسبقه إليه بشر . لذلك وصف الملائكة بأنهم { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء : 26 ] وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قُلْناه في معنى العباد ، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة : { أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ } [ الفرقان : 17 ] . فقال للضالين ( عبادي ) وهي لا تُقال إلا للطائعين ، لماذا ؟ قالوا : لأن في القيامة لا اختيارَ لأحد ، فالجميع في القيامة عباد ، حيث انتفى الاختيار الذي يُميِّزهم . والعلماء يقولون : إن العباد تُؤخَذ منها العبادية ، وأن العبيد تُؤخَذ منها العبودية : العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله ، وينتهي عن نواهيه طمعاً في ثوابه في الآخرة ، وخوفاً من عقابه فيها ، إذن : جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنّب عقابها . أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة ، إنما إلى أن الله تعالى تقدّم